أحمد أمين
61
كتاب الأخلاق
كل ذلك له أكبر الأثر في تكوين المثل الأعلى ، وكذلك غرائز الإنسان الطبيعية لها أثر كبير في انتخاب الصور التي تتخذ مثلا ؛ فالميول الموروثة من شجاعة وهمة أو جبن وخمول تعين على تحديد المثل الأعلى ، هي عامل قوي في تكوينه . نمو المثل : يكاد يكون لكل إنسان مثل أعلى ولكن لا يشعر من أين أتاه ، وسبب ذلك أن المثل يتكون مع الإنسان في نشأته وينمو بنموه ، فلم يكن شيئا جديدا منفصلا عنه حتى يشعر به ويعرف متى أتاه ومن أين جاءه . يتكون المثل جرثومة أثناء التربية المنزلية ، ويكون لما يسمعه من القصص ولو خرافية دخل في تكوينه ، ثم يتوارد عليه التغير كلما وجد مؤثر جديد ، من رواية يقرأها أو حكاية يسمعها ، أو تمجيد لعمل عظيم ، أو ذم لعمل حقير . وإن في طبيعة الناشئين في أول حياتهم ميلا إلى سماع قصص الأبطال ، وكبار الأعمال ، وعجائب الحوادث ؛ وذلك - ولا شك - مما يساعد على تنمية المثل عندهم ، فإذا خرج الشاب إلى معترك الحياة كان لتجاربه في عمله وتبادل الأخذ والعطاء مع الناس ما يحدد غايته في الحياة وينير أمله ، ويوضح مثله ، وباتساع نظر الإنسان في الحياة وكبير عقله يكمل المثل وتتم أجزاؤه . وكما أن المثل عرضة للكمال والاتساع كما بينا ، كذلك هو عرضة للنقص والضيق ، فالعمال الذين يقضون حياتهم في عمل يدوي محدود ثم لا يصادفون بعد قضاء نهارهم ما يفيد عقلهم أو يوسع نظرهم يضيق مثلهم ، ويتحدد أملهم ؛ وذلك شأن طائفة كبيرة من العمال وكتبة الدواوين الذين لا يؤدون في الحياة غير عملهم الآلي فلا يرقون مداركهم ، ولا يوسعون أنظارهم ، وحياتهم ليست إلا يوما متكررا . وفي ضيق المثل خطر عظيم ، فالمثل هو الذي يبعث في الإنسان روح العمل ، ويزيد في نشاطه وقوته ، وهو الذي يصحح حكمه على الأشياء ، فالإنسان عادة عند الحكم على شيء أو نقده يقيسه بمثله ، ثم يحكم عليه بالخطأ أو الصواب وبالخير أو الشر ، فإذا تحدد المثل وضاق قل نشاطه وساء حكمه ، وعلى العكس من ذلك إذا رقى مثله .